سعيد حوي
1524
الأساس في التفسير
يقول صاحب الظلال : « إن المعرفة الغيبية في الإسلام إنما تطلب لمواجهة حاجة واقعة وفي حدود هذه الحاجة الواقعة . . فالغيب وما وراءه تصان الطاقة البشرية أن تنفق في استجلائه واستكناهه ، لأن معرفته لا تواجه حاجة واقعية في حياة البشرية . وحسب القلب البشري أن يؤمن بهذا الغيب كما وصفه العليم به . فأما حين يتجاوز الإيمان به إلى البحث عن كنهه فإنه لا يصل إلى شئ أبدا ، لأنه ليس مزودا بالمقدرة على استكناهه إلا في الحدود التي كشف اللّه عنها . . فهو جهد ضائع . فوق أنه ضرب في التيه بلا دليل ، يؤدي إلى الضلال البعيد . وأما الأحكام الشرعية فتطلب ويسأل عنها عند وقوع الأقضية التي تتطلب هذه الأحكام . . وهذا هو منهج الإسلام . . ففي طوال العهد المكي لم يتنزّل حكم شرعي تنفيذي - وإن تنزلت الأوامر والنواهي عن أشياء وأعمال - ولكن الأحكام التنفيذية كالحدود والتعازير والكفارات لم تتنزل إلا بعد قيام الدولة المسلمة التي تتولى تنفيذ هذه الأحكام . ووعى الصدر الأول هذا المنهج واتجاهه ، فلم يكونوا يفتون في مسألة إلا إذا كانت قد وقعت بالفعل ، وفي حدود القضية المعروضة دون تفصيص للنصوص ، ليكون للسؤال والفتوى جديّتهما وتمشيهما كذلك مع ذلك المنهج التربوي الرباني : كان عمر بن الخطاب - رضي اللّه عنه - يلعن من سأل عما لم يكن . . ذكره الدارمي في مسنده . . وذكر عن الزهري قال : بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري كان يقول إذا سئل عن الأمر : أكان هذا ؟ فإن قالوا : نعم قد كان ، حدث فيه بالذي يعلم . وإن قالوا : لم يكن ، قال : فذروه حتى يكون . وأسند عن عمار بن ياسر - وقد سئل عن مسألة - فقال : هل كان هذا بعد ؟ قالوا : لا . قال : دعونا حتى يكون فإذا كان تجشمناها لكم . وقال الدارمي : حدثنا عبد اللّه بن محمد بن أبي شيبة ، قال : حدثنا ابن فضيل عن عطاء ، عن ابن عباس ، قال : ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سألوه عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض ، كلهن في القرآن ، منهنّ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ . . وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ . . وشبهه . . ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم . وقال مالك : أدركت هذا البلد ( يعني المدينة ) وما عندهم علم غير الكتاب والسنة . فإذا نزلت نازلة ، جمع الأمير من حضر من العلماء فما اتفقوا عليه أنفذه . وأنتم تكثرون المسائل وقد كرهها رسول اللّه !